أحمد بن يحيى العمري
161
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار
وهو أشرف نعم الله تعالى على عباده ، إذ به قوام أمور الدنيا ونظام أحوال الخلق ، لاضطرارهم إليه في حاجاتهم ، فإن كل إنسان محتاج إلى أعيان كثيرة من مطعمه ومشربه وملبسه ومسكنه وسائر حاجاته ، ولعله [ لا ] « 1 » يملك ما يستغني عنه كمن يملك ( 80 ) الثياب ، فلا بد من متوسط يرغب فيه كل أحد ، فخلق الله الدراهم والدنانير متوسطين الأشياء حتى يبذلا « 2 » في مقابلة كل شيء ، ويبذل في مقابلتهما كل شيء ، كالقاضيين بين الناس يقضيان حوائج كل من لقيهما . ولهذه العلة فخّم الله تعالى أمر كنزهما وإخفائهما ، فقال وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ « 3 » الآيات . لأن المقصود منها تداولها بين الناس لقضاء حوائجهم ، فمن كنزهما فقد أبطل الحكمة التي خلقا لها . وذكر بعض العلماء أن عزة الذهب ليس لقلة وجوده فإن الذهب أكثر من النحاس والحديد ، وكيف لا ؟ وأنه دائما يستخرج من المعادن ولا يتطرق إليه القوى والتلف بخلاف النحاس والحديد ، فإنهما يتلفان بطول المكث ، بل السبب في ذلك أن من ظفر بشيء منه دفنه ، فالذي تحت الأرض أكثر من الذي يتعامل عليه الناس . ومن خواصه ما ذكر أرسطاطاليس أنه يقوي القلب ، ويدفع الصرع إن علق على إنسان ، ويمنع الفزع ؛ ومن اكتحل بميل ذهب جلا عينيه وقواها ، وحسّن النظر ؛ وإن ثقبت شحمة الأذن بإبرة من ذهب لم يلتحم ، وأن كوي به مكان جرح لم ينفط « 4 » وبرأ سريعا . وقال ابن سينا « 5 » : إمساكه في الفم يزيل البخر ، وينفع من أوجاع القلب والخفقان وحديث النفس .
--> ( 1 ) : زيادة يقتضيها السياق . ( 2 ) : وردت في المخطوطة ( حتى يبذلان ) ، والصواب ( حتى يبذلا ) . [ المراجع ] ( 3 ) : التوبة ، الآية 34 . ( 4 ) : النفطة : البثرة تخرج في اليد من العمل ملأى بالماء . ( 5 ) : نقلا من ق ، وينظر القانون ص 789 .